أعماق الإنسان نوافذ للضوء والأمل والجمال
أسماء محمد مصطفى
حينما يرسم ضوء الصباح خطوطه المستقيمة على الأثير باتجاه زجاج النافذة الذي يتمكن بشفافيته كالعادة ، من السماح للضوء بالنفاذ منه إلى أصيص الورود ، لتتفتح وريقاتها نافضة عن عيونها بقايا الناس وآثار النوم ، ينتابني احساس جميل يصوّرُ لي أنّ ذلك الضوء يمكن أن ينبع من قلب إنسان ، كالشمس تماماً ، مثلما يمكن أن ينفذ عبر الإنسان ذاته ليصل الى الآخرين في هيئة إنجاز أو عمل أو شعور ما ، لتتفتح الأزاهير لهم. .
هذا الضوء الذي اعتدت رؤيته كل صباح هو الذي رسمَ لي ملامح هذا الموضوع.
ثمة خيط حسي يربط بين الضوء في العالم الخارجي ، والضوء في العالم الداخلي للإنسان، وأقصد أعماقه، إذ أنّ الكون الكبير (الخارجي) والكون الداخلي (أعماق الإنسان) مترابطان ومتشابهان في نواح متعددة.
إن النفس البشرية عالم كبير جداً قد يظل الكثير من جغرافياته مجهولاً وغير مكتشف ، ويمكن أن تضيئه شمس غير مرئية أو مصباح ليس صناعياً أو أي خيط ضوئي رفيع لا مرئي ، وفقاً لطبيعة النفس ذاتها أو الظروف المحيطة بها، وربما تكون فيها فسحة تحتوي خطوطاً من الضياء وأخرى من الظلام .
وقد تكون العتمة الوضع المزري الذي يعيشه الإنسان في وقت ما ، وأما الضياء فهو أمل الخلاص ، وبذا تكون الفسحة تلك الحد الفاصل بين الحالتين ، يغطيها الضوء حينما ينتصر الامل ، او يغشاها الظلام إذا ما بقي الوضع متردياً أو سادَ اليأس..
إنّ الضوء ليس الأملَ وحده، وإنما يمكن تفسيره على إنّّه الجمال الحقيقي .
ويحضرني هنا رأي أحد الفلاسفة عن النساء إذ قرأت عنه قوله إن النساء كالنوافذ ذات الزجاج الملون ، فهي تتلألأ وتشع من الخارج ، وحينما تقترب من واحدة منهن تكتشف أن جمالها الحقيقي يظهر فقط إذا كان هناك ضوء في اعماقها .
وما قاله فيلسوفنا هذا ينسحب إلى الإنسان بصورة عامة وليس المرأة وحدها، إذ إنّ الضوء الداخلي يتمثل بجمال الإنسان الروحي وقدرته على العطاء والإنجاز وغرس الفرح في محيطه.
ووفقاً لذلك يمكن تصنيف الناس إلى صنفين :
ذلك الذي في داخله ضوء أبيض ، وذلك الذي يسود أعماقه ظلام أسود .
ولاشك إن البياض يرتبط بالتفاؤل والسرور والإرادة والبداية والانفتاح والنشاط والانعتاق من المخاوف والهواجس، لذا نجد المتفائلين يمتلكون ضوءًا أبيضَ في أعماقهم يشدهم نحو الحياة ويجعلهم يتوافقون معها ، فيكونون أكثر تفاعلاً مع البيئة وأكثر قدرة على العطاء.
فإذا كان الضوء في أعماق الإنسان هو الأمل والتفاؤل والجمال الحقيقي ، فإنه قد يتمثل في رمز أو شخص لدى الإنسان ذاته كأن يكون : الوطن .. الأم .. الجماعة .. الصديق .. الحبيب .. صورة شخص في الخيال .. أو يتمثل في الحق .. العمل .. الهواية .. المكان .. الحقيقة .. الهدف ..
إنّ الرموز هي بالتأكيد تشكل أضواءً لحياتنا تحفزنا على العطاء ، وهي تقترب من دواخلنا البشرية العميقة .
ولأنّه عميق جداً ، ذلك العالم المحفوظ في أعماق الإنسان ، لذا تندرج تحت مفهوم ضوئه الداخلي مفردات ومعان ٍ مختلفة وواسعة ، لكن الحيز هنا ليس بالسعة التي تستوعب كل تلك المعاني . ولا أملك وأنا اختتم هذا الموضوع تحت ضوء الصباح إلاّ أن أتمنى أن لاتنطفئ أضواء حياتكم ، وأن تظل الشمس مشرقة في سماء آفاقكم دائماً ، تمرّ أشعتها عبر شفافيتكم إلى الأزاهير والآخرين .
