د. رافد حداد
رئيس التحرير
اللغة وعاء الفكر، ومحتوى الثقافة، ومفتاح المعرفة، وسمة الخصوصية، وعنوان الهوية، ووسيلة الاتصال والتواصل، ومنبع الإبتكار، وبوابة التفاهم، وطريقة التفاعل، ونبض الحياة، وشريان التعلم، وإرث الأجداد إلى الأحفاد، وهدية الأسلاف إلى الأخلاف.
يقول المفكر والمربي الراحل ساطع الحصري، صاحب القراءة الخلدونية: ( إن حياة الأمم تقوم قبل كل شئ على لغاتها.. إن لغة الآباء والأجداد مخزن لكل ما للشعب من ذخائرالفكر والتقاليد والتاريخ والفلسفة والدين .. إن قلب الشعب ينبض في لغته، وإن روح الشعب تكمن في لغة الآباء والأجداد).
ولغتنا العربية الجميلة تعد أقدم اللغات الحية على وجه الأرض، ومن أكبر اللغات انتشاراً في العالم، ومن أكثرها تحدثاً بها، كانت لغة ألسياسة والعلم والأدب لقرون طويلة في أجزاء مختلفة من المعمورة، بها نزل القرآن الكريم، وهي لغة طقسية رئيسة لدى الكنائس المسيحية في الوطن العربي، وكذلك في المهجر، هي ( لغة الضاد )، لأنها الوحيدة بين لغات العالم التي تحتوي على حرف الضاد.
هذه اللغة العظيمة كانت وماتزال محط الأنظار، وموقع الإعجاب، ومركز الإندهاش، لما تحويه من ظواهر لغوية، وفنون لفظية وقدرات وخواص قل نظيرها، مما جعلها قبلة لغير العرب ومنارا لهم وإنبهاراً وتوقاً للتعلم والإبحار في كنوزها، وثمين مكنوناتها، وسعة مفرداتها وتراكيبها، فهذه اللغة ( لغة كاملة محببة عجيبة، تكاد تصور ألفاظها مشاهد الطبيعة، وتمثل كلماتها خطرات النفوس، وتتجلى معانيها في أجراس الألفاظ، كأنما كلماتها خطوات الضمير، ونبضات القلوب، ونبرات الحياة).
هي كبيرة ولامعة في عيون الآخرين، وهذا بعض مما قيل فيها:
المفكر الفرنسي أرنست رينان: ( اللغة العربية بدأت فجأة على غاية الكمال، وهذا أغرب ماوقع في تاريخ البشر، فليس لها طفولة، ولا شيخوخة).
المفكر الالماني فريتاج: ( اللغة العربية أغنى لغات العالم ).
المفكر الايطالي كارلو نلينو: ( اللغة العربية تفوق سائر اللغات رونقاً، ويعجز اللسان عن وصف محاسنها ).
المفكر الفرنسي وليم مرسيه: ( العبارة العربية كالعود إذا نقرت على أحد أوتاره رنت لديك جميع الأوتار، وخفقت ، لتحرك في أعماق النفس من وراء حدود المعنى المباشر موكباً من العواطف والصور).
المفكرة الألمانية سيجريد هونكه: ( كيف يستطيع الإنسان أن يقاوم جمال هذه اللغة ومنطقها السليم وسحرها الفريد، فجيران العرب أنفسهم في البلدان التي فتحوها سقطوا صرعى سحر تلك اللغة ).
وبعد فهذه هي لغتنا وصفاتها، التي ينطبق عليها قول الشاعر:
أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل سألوا الغواص عن صدفاتي
ولغتنا الرائعة الجميلة تتعرض لأعتى المخاطر في المهجر اليوم، هذا المهجر الذي شهد إبداعات أمين الريحاني، ونعمة الله الحاج، وجبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وأيليا أبو ماضي، وأخرون غيرهم، يشهد اليوم إنقطاع أجيال بأكملها عن جذورها، أجيال تنسلخ عن روابط أصولها، لتفقد لغتها الأم.. شباب وشابات عرب أبناء عرب لايعرفون حرفاً واحداً من حروف اللغة العربية، وعائلات تتحدث داخل جدران بيوتها بكل اللغات إلا بالعربية، وجيل أصابه الإنبهار بلغات أخرى فنفر من العربية، وهكذا تمضي الأيام في المهجر، ونحن نتطلع إلى لغتنا الأم ، وهي أبعد ما تكون عن ألسنة هذا الجيل الواعد النامي، وإذا أردنا أن نتحسس الخطر أكثر فلننظر إلى الجيل الذي سيتبع هذا الجيل، كيف ستكون صلته مع العربية؟!.
نعم إننا نرى ونتابع الجهود الكبيرة التي تبذلها المدارس العربية في المهجر للإمساك بخيوط اللغة، لكنها جهود تبقى غير كافية لدرء الخطر، وإنقاذ جيل من فقدان هويته، وضياع جذوره في غياهب الغربة، ومدن الشتات.
لهذا كله فإننا نحتاج إلى وقفة جادة تبدأ بالنفس، فالعائلة، فالمجتمعات المحلية الوافدة، للوصول إلى حلول لهذه الظاهرة الخطيرة، نحن أحوج ما نكون كقادمين إلى بلدان جديدة إلى حملة ( تعريب ) في المهجر، وإلا نكون قد فقدنا الكثير، ولنبدأ بأقل الإمكانات وننطلق، فإذا كان الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين يقول إبان قيادته الثورة الثقافية والتعريب في بلاده ( اللغة العربية ليست لها ضرة )، فإننا هنا نقبل أن تكون لها ضرة، ولكن شرط أن تتمتع بنفس الإهتمام.