فيلم ( نبي ) .. و الإحتفاء غير البرئ

2010/06/12
ملصق فيلم نبي

هادي ياسين ـ كندا

على العكس مما حصل في دورة العام الماضي لمهرجان ( سيزار ) السينمائي الفرنسي . فأن جوائز هذا العام 2010 جاءت متطابقة مع جميع التوقعات . ففي دورة العام الماضي كانت توقعات النقاد و المعنيين و المتابعـــين للمهرجان قد ذهبت الى أن فيلم { ميسرين} سيفوز بعشر من الجوائز، لما كان ينطوي عليه من عناصر تؤهله لذلك، غير أن الذي حصل هو أن سبعاً من تلك الجوائز ذهبت إلى فيلم ( سيرافين ) الذي يتناول سيرة رسامة فطرية فرنسية مغمورة ( كنا قد كتبنا عنه )، و لذلك فقد وصفت تلك الدورة بـ { دورة المفاجآت }.


نيل أوستروب وطاهر رحيم في فيلم نبي

هذا العام اتجهت توقعات الجميع إلى فيلم ( نبي ) المثير للجدل، و قد فاز فعلاً بتسع جوائز : (( 1 ـ جائزة أفضل فيلم . 2 ـ أفضل مخرج : جاك أوديار . 3 ـ أفضل ممثل : طاهر رحيم . 4 ـ أفضل ممثل ثانوي : نيل أويستروب . 5 ـ أفضل موهبة لدور ثانوي . 6 ـ أفضل مونتاج . 7 ـ أفضل ديكور . 8 ـ أفضل سيناريو . 9 ـ أفضل تصوير )) .
و كان هذا الفيلم قد فاز بالجائزة الكبرى في مهرجان { كان } السينمائي الدولي للعام 2009، و بجائزة أفضل فيلم في مهرجان لندن السينمائي، و ترشح هذا العام لجائز أفضل فيلم أجنبي للأوسكار، و فاز المخرج عن فيلمه هذا بجائزة (لوي دولوك ) للعام 2009 باعتباره أفضل فيلم فرنسي للعام . و شوهد من قبل أكثر من مليوني متفرج، وعومل كحدث سينمائي فرنسي . ولكن السؤال بعد مشاهدته هو : هل يستحق هذا الفيلم كل هذه الضجة و هذا الكم من الجوائز و هذا القدر من الإحتفاء ؟

تدور معظم أحداث الفيلم في سجن فرنسي، و محور قصته شاب في التاسعة عشرة من عمره، إسمه مالك، عربي مسلم في الأصل، لا يعرف القراءة و الكتابة ( و قد أدى دوره الممثل البارع، جزائري الأصل: طاهر رحيم، الذي استحق الجائزة عن جدارة بما لا جدال حوله ) . و يبدو هذا الشاب كما لوكان مقطوعاً من شجرة، و قد جاء الى السجن محكوماً بست سنوات . و منذ الأيام الأولى بات يتعرض للمضايقات و الإستغلال من قبل مجموعة شرسة من المسجونين الكورسيكيين { كورسيكا تعمل على الإنفصال عن فرنسا منذ زمن طويل }، و هذه المجموعة تنظر إلى العرب و المسلمين بعين الإحتقار . و تدفع ـ عنوة ً ـ الشاب المسالم الى ذبح سجين عربي، مستغلة ً تحرش ذلك العربي به جنسياً كذريعة للذبح بالموسى، و قد تم تنفيذ العملية في مشهد سينمائي بالغ الإتقان .
و هذه المجموعة كانت تنوي التخلص من ذلك العربي أصلاً الذي يبدو أنه يضع اليد على بعض أسرارها و تعاملاتها خارج السجن فاستغلت السجين ( مالك ) الذي لا أصحاب له و لا أهل، و بمرور الوقت يتحول هذا المسالم من شخص خانع و خائف من الآخرين إلى قاتل محترف قاسي القلب، و ربما كانت هذه هي الفلسفة يقوم عليها الفيلم، أي أنه من الممكن أن يتحول السجن من دائرة إصلاح إلى صانع مجرمين حقيقيين .


لقطة من فيلم النبي

ولكن الفيلم يثير، بعد نهايته، تساؤلاً مشروعاً، و هو : ضد من يتوجه هذا الفيلم ؟ ضد العرب و المسلمين ؟ أم ضد الكورسيكيين المجرمين القساة ؟ أم ضد السلطات الفرنسية التي أظهرها الفيلم و كأنها غافلة عما يجري في سجونها، خصوصاً و أن تواطؤ سلطات السجن مع العصابات كان واضحاً ؟ . بطبيعة الحال فأن القائمين على هذا الفيلم يرفضون ـ بصورة قاطعة ـ تساؤلاً كهذا . ولكنه تساؤل قائم حتى لو رفضوا ذلك . فالفيلم يقدم العرب و المسلمين على أنهم متعصبون، و هم من وجهة نظر الكورسيكيين ( كلاب ) ( حقراء ) ( قذرون ) يحلون مشاكلهم بالنباح كالكلاب و ( مهمومون بأعضائهم الجنسية )، و في المقابل فأن الفيلم يقدم السجناء المنحدرين من كورسيكا الإنفصالية على أنهم مجاميع من العصابات الإجرامية تدير جرائم بشعة داخل السجن و صفقات و عمليات خطف خارجه، فيما يقدم الفيلم السلطات الفرنسية ـ خارج السجن ـ على أنها غافلة عما يجري داخل سجونها و يقدمها ـ داخله ـ على أنها متواطئة، بل مشاركة في تسهيل مهمات عصابات الكورسيكيين، و بهذا المعنى فأن هذه السلطات تقف ـ ضمناً ـ موقفاً سلبياً من العرب و المسلمين ما دامت تقف إلى جانب محتقريهم . و بالتالي فأن السلطات الفرنسية فاسدة داخل و خارج السجون . و عنصر الإدانة هذا موجود في الفيلم بصورة واضحة مادام يستعرض الأحداث هكذا . غير أن الجديد على السينما الفرنسية هو تقديمها للنموذج العربي المسلم بهذه الصورة . و يبدو أن الفيلم قد استفاد من أحداث الشغب التي حصلت عام 2008 إثر مقتل شاب عربي على يد الشرطة الفرنسية، و كان الرئيس الفرنسي الحالي ( ساركوزي ) وزيراً للداخلية حينها، و هو الذي أدارالأزمة بمهارة ربما كانت أحد أسباب فوزه بكرسي الرئاسة . و من غير المستبعد أن يكون الإحتفاء الفرنسي بهذا الفيلم رداً على أحداث الشغب عشية احتفالات فرنسا بعيدها الوطني العام الماضي 2009 و التي أحرق فيها شبان مهاجرون 317 سيارة و جرحوا 13 فرداً من عناصر الشرطة .
و بعيداً عن ( نظرية المؤامرة ) فأن الفيلم جيد بصورة عامة، ولكنه لا يستحق أن يكون حدثاً سينمائياً فرنسياً، فاحتفاء كهذا يثير التساؤل حول براءته . و الواقع أن غياب البراءة في مناسبات كهذه قد بات أمراً متوقعاً، و ربما بات طبيعياً، خصوصاً إذا ما كانت سوابق كهذه تحدث على أعلى مستويات الجوائز، كجائزة نوبل، و أيضاً جوائز الأوسكار . فهل يعقل ـ مثلا ـ أن تــُحجب جوائز الأوسكار لهذا العام 2010 عن المخرج الأمهر { جيمس كاميرون } و فيلمه العجائبي الباهر ( أفاتار ) الذي يمكن إعتباره مفصلاً في تاريخ السينما، في حين تذهب تلك الجوائز إلى زوجته السابقة { كاترين بيغلو } و فيلمها البائس ( خزانة الألم ) ؟ ألم يكن ذهاب الجوائز إلى هذا الفيلم مجرد تحية ( سياسية ) أمريكية إلى الجنود الأمريكان في العراق و أفغانستان، بعيداً عن المقاييس السينمائية الحقيقية ؟ إذاً لا غرابة في أن يكون الإحتفاء بفيلم ( نبي ) العادي .. جزءاً من هذا السياق غير البرئ .