قصة الطقس..

لماذا نتابع نشرة الأحوال الجوية ؟

2011/12/10
ظاهرة الهالة (حول القمر)

د.عبد الحليم على المحي

 
كان الهاجس الرئيسي والشغل الشاغل للإنسان منذ قرون هو البحث عن الأمان والإطعام والمكان الذي يجنبه قسوة الطبيعة متمثلة في التقلبات الجوية القاسية لذلك كان الناس يهتمون بالتطلع إلى الجو الخاص بمناطقهم وإلى تقلباته وظواهره المختلفة كي يتجنبوا الخطر الناجم من تلك التقلبات والظواهر الجوية ولكون الحياة كانت بدائية في جميع المجالات. أما الآن فقد تطورت الحياة في جميع ميادينها وبشكل خاص في مجال النقل والمواصلات فأصبح من الضروري للإنسان أن يتعرف على التغيرات التي تحصل للطقس خلال ساعات أو يوم أو عدد من الأيام لكي يهيئ نفسه لتلك التغيرات التي تؤثر سلبا وإيجابا على مجمل نواحي الحياة سواء كان لهؤلاء الناس علاقة وثيقة بين مهنهم وحرفهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالتغيرات الحاصلة في الطقس أو لم تكن.

 نبذة تاريخية عن تطور نشرة الأحوال الجوية

في كل يوم وفي كل ليلة بلايين الناس حول العالم تستمع إلى توقعات حالة الطقس وماذا سيجلب الغد؟ عندما نسمع التوقع بحالة الطقس يساعدنا ذلك كثيرا على تخطيط نشاطاتنا اليومية. لكن كيف تطور التنبؤ الجوي. في زمن قبل الميلاد كان التنبؤ بالأحوال الجوية يستند فقط على ملاحظة ورصد السماء ومنه يمكن تفسير الظواهر المرصودة في السماء لكن الوقت الذي سوف تحدث فيه لا يمكن معرفته، فقبل 650 ق م كان البابليون في العراق أول من وضع أسلوباً للتنبؤ بتقلبات الطقس وقد إعتمدوا بذلك على الغيوم والظواهر البصرية مثل الهالة. وفي سنة 350 ق م بدأ العالم أرسطو بملاحظة تغيرات الجو والمناخ وإكتشف ما يعرف الآن بدورة الشمس، 340 ق م كتب كتاب إسمه Meteorologyica يتضمن نظريات حول تكون الأمطار والغيوم والحالوب والرياح والعواصف الرعدية والبرق والهريكانHurricane أما الفلكيون الصينيون 300 ق م طوروا تقويما حيث قسموا فيه السنة إلى 24 مناسبة معتمدين على التفاوت في الطقس بين مناسبة وأخرى. وفي عام 1592 إكتشف العالم غليلو المحرار لقياس درجة الحرارة وبعدها إخترع العالم تورشلي عام 1643 البارومتر الزئبقي لقياس الضغط الجوي بهذه الأداة البسيطة كان يقاس الضغط الجوي ولاحظ تورشلي بأن الضغط يتغير بتغير حالة الطقس فإذا كان هناك هبوط في الضغط فهذا يشير في أغلب الأحيان بان هناك عاصفة. وفي عام 1667 بنى العالم روبرت هوك مقياساً لقياس سرعة الريح. وفي عام 1714 طور العالم دانيال فهرنهايت المحرار الزئبقي وأصبح في هذا الوقت من الممكن قياس حالة الطقس بدقة.


كما كان للعرب دور أخر عندما كانت سفنهم التجارية تعتمد على الرياح في حركتها ومن هنا جاءت تسمية الرياح التجارية ومنهم أيضا جاءت تسمية الرياح الموسمية Monsoon كذلك أطلق العرب على الأعاصير المدارية تسمية طوفان والتي تعرف اليوم تايفون Typhoon.
في عام 1853 عقد أول مؤتمر دولي لوضع أسس التعاون في شؤون الأنواء الجوية وكان أول نتائج هذا المؤتمر ظهور علم الطبيعة الجوية ، كما رسمت أول خريطة جوية.
في عام 1854 غرقت سفينة حربية فرنسية و38 سفينة تجارية في ميناءِ القرم (Crimean port) بعاصفة عنيفة. ونتيجة لهذه الحادثة بدأت خدمات التحذير من العواصف الوطنية في فرنسا وهذا إعتراف لبداية التنبؤ. وبعد إكتشاف التلغراف الألكتروني عام 1837 الذي ساعد على إيصال المعلومات بسرعة. تمكن مرصدِ باريس البَدْء بنشر أول خرائطِ متطورة عن الطقس.
وفي القرن العشرين تطورت الأنواء الجوية كثيرا وأصبحت شبكة محطات الرصد الجوي بإمكانها أن تطلق منطاداً يحمل جهاز راديوسوند يقيس درجة الحرارة، الضغط الجوي، الرطوبة، سرعة وإتجاه الرياح على إرتفاعات مختلفة من الغلاف الجوي. كما أدخل رادار الطقس في عملية الرصد الجوي إضافة إلى إطلاق أقمار إصطناعية مخصصة تقوم بتصوير الغلاف الجوي والأرض كما تطور التنبؤ الجوي باستخدام التحليل العددي والذي تزامن تطوره مع تطور الحاسب الآلي وأصبح الآن التنبؤ باستخدام نماذج التحليل العددي المختلفة للتنبؤ لمدة يوم إلى سبعة أيام بدقة عالية.

لماذا النشرة الجوية؟

إن معرفة حالة الطقس من خلال النشرة الجوية اليومية ضرورة حياتية يتطلب من الجميع متابعتها لأنها تعلمنا عن حالة الطقس الحالية وإستشراف المستقبل الذي بدوره يساعدنا دائما على التخطيط الدقيق لحياتنا في مختلف ميادينها الاجتماعية، الزراعية، النقل بمختلف أشكاله، الصناعية والتجارية، الصحية، السياحية، والعمليات العسكرية.

ميدان الـنـقـل

 النقل الجوي


الطقس ورحلة الطائرات

منذ ظهور الطائرات برزت أهمية خدمات الأنواء الجوية في مجال الطيران. فمن الضروري التعرف على مدى الرؤيا الأفقية لتسهيل مهمة إقلاع الطائرات وهبوطها، كما أن تحديد سرعة وإتجاه الرياح يحدد إتجاه هبوط الطائرة والسرعة المطلوبة للهبوط، وأثناء تحليق الطائرة يحتاج الطيار معلومات عن سرعة وإتجاه الرياح عند إرتفاعات مختلفة، كذلك يحتاج معرفة درجة الحرارة لإختيار الإرتفاع المناسب بالإضافة إلى معرفة مناطق الزوابع الرعدية والغيوم وإرتفاعاتها. لذلك فان حالة الطقس تحدد حركة الطائرات فإذا كان الطقس رديئا فان الرحلات الجوية تلغى أو تؤجل.

النقل البحري


التنبؤات الجوية وتحركات قوارب الصيد

 يهتم البحارة بمعرفة سرعة وإتجاه الرياح لما لها من تأثير على سير السفن وتأثيرها على وقود السفن فيما إذا كانت الرياح بإتجاه السفينة أو ضدها أما إذا كانت السفن شراعية فإنها تتحرك على أساس المعلومات عن سرعة وإتجاه الرياح كذلك تؤثر على حالة البحر فيما إذا كانت أمواج عاتية أم لا وحتى معرفة سرعة وإتجاه التيارات البحرية ومواعيد المدر (المد والجزر) مهم في عملية إرساء السفن على المرافئ. ويستفيد الصيادون في البحر من المعلومات المتعلقة بحالة الطقس لأن الأسماك تتكاثر في مناطق معينة حسب الظروف الجوية مثل درجة الحرارة وشدة الرياح التي تؤدي إلى إضطراب البحر وهياجه بالإضافة إلى ذلك فان الصيادين يستخدمون التنبؤات الجوية لتنظيم تحركات قوارب الصيد.

النقل البري


العاصمة الاندونيسية جاكرتا تشهد أسوأ فيضانات منذ خمس سنوات


سوء الأحوال الجوية يؤثر على حركة المرور

 تتأثر الطرق البرية وخطوط السكك الحديدية بمختلف العوامل الجوية. ففي بعض المناطق تؤدي غزارة الأمطار إلى تحويل مياه الأمطار إلى سيول جارفة وفيضانات تسبب توقف حركة النقل وقطع خطوط السكك الحديدية والطرق وكوارث إجتماعية كذلك عندما تهب العواصف الرملية والترابية فأنها تؤدي إلى إنعدام مدى الرؤيا بذلك تؤثر على سرعة السيارات وتؤدي إلى حوادث مرورية كثيرة ويمكن تجنب ذلك بعد أن يعرف سائق المركبة الحالة الجوية ويقرر عدم الحركة إلا عندما تتحسن حالة الطقس لتجنب الخسائر المادية والبشرية.

الزراعة


تحول السماء إلى لون بني حين هبط الجراد على نواكشوط، في موريتانيا فحول الأشجار الخضراء إلى هياكل

ترتبط الزراعة إرتباطا وثيقا بالحقائق الطقسية والمناخية، ولا يخفى على أحد أثر كل من الإشعاع الشمسي والرطوبة والرياح وحدوث الصقيع والندى والبرد والضباب والأمطار والعواصف الترابية على نمو النباتات أثناء مراحل نموها المختلفة. لذلك إهتمت كثير من دول العالم التي تتميز بطقس متغير من وقت إلى آخر بإذاعة وتلفزة نشرات جوية كل عدة ساعات توضح حالة الطقس المتغير وذلك لخدمة المهتمين بالشؤون الزراعية لغرض تلافي الأضرار التي تنجم عن تلك التغيرات في الطقس وإتخاذ الإجراءات الإحترازية لذلك أو التقليل منها. مثلا معرفة إتجاه الرياح تساعدهم في معرفة إتجاه سير أسراب الجراد التي تهلك المزارع أن مرت بها، وكذلك فإن معرفة درجة الحرارة المنخفضة تساعدهم في تدارك خطر ذلك الإنخفاض بعد قيامهم بتغطية المزروعات لحمايتها من التلف، وسقوط المطر وكميته التي تعد أحد مصادر الري الآنية أو المستقبلية بعد تجميعها في المياه الجوفية وتصبح على شكل مخزون ماء يستخدم لاحقا أو من خلال تجميعها في خزانات. لذلك فإن المعرفة المسبقة بأحوال الطقس من قبل المزارع تساعد كثيرا في حماية مزروعات وحقول الحيوانات.

الميدان الصناعي والتجاري


حماية المزروعات والحيوانات

تهتم العلوم التجارية والصناعية اليوم بالتغيرات في الطقس بشكل كبير و أصبح المهندسون و رجال الأعمال عند تقدير تكاليف الإنتاج لابد أن يضعوا في الحسبان التكاليف الناتجة من وراء تغيرات الطقس وتأثيرها حيث هناك عوامل رئيسية تؤثر بشكل مباشر على كثير من المشروعات الصناعية: درجة الحرارة، تساقط الثلج، الرياح الشديدة والأعاصير المدمرة، الأمطار الغزيرة وإرتفاع نسبة الرطوبة وسوء حالة الرؤية فمثلا قدرة العمال الإنتاجية تتأثر كثيرا بارتفاع درجة حرارة الهواء أو إنخفاضها. وللصقيع و تجمد التربة والأمطار الغزيرة أثارها المباشرة على العمليات الهندسية والإنشائية حيث يتعذر إنشاء الطرق و بناء المنازل والقيام ببعض الأعمال الهندسية خارج المصانع في مثل تلك الظروف الجوية الصعبة.

 الميدان الصحي

 للطقس تأثير مزدوج على الإنسان تأثير فسيولوجي وتأثير نفسي وتكون هذه التأثيرات أما مباشرة كما في حالة تعرض الإنسان لموجة برد شديدة أو غير مباشرة عن طريق المكروبات والحشرات، لقد دلت الإحصاءات العالمية إلى وجود صلة وثيقة بين عدد الوفيات وحالة الجو، حيث تزداد الوفيات في الأيام التي تهب فيها الرياح بسرعة عالية وأكثر الظواهر الجوية تأثيرا على صحة الإنسان هي إنخفاض الضغط الجوي المترافق بحرارة مرتفع وهطول للإمطار ورطوبة جوية عالية وحدوث عواصف هوائية إضافة إلى أن حالة الطقس وتغيرات عناصره تلعب دورا كبيرا في المساعدة على الإصابة ببعض الإمراض والتأثير على بعض الأمراض المزمنة لدى كثير من الناس مثل الربو ومرض القلب.

الميدان السياحي


السياحة والطقس

 
إن السائح يحتاج إلى معلومات عن الطقس ليهيئ نفسه لظروف الطقس المتوقعة وإختيار الملابس الملائمة وتنظيم حركته وتنقلاته. ولكي يتمتع السائح برحلته وتجواله في مكان ما فإنه بحاجة إلى معرفة الطقس الحسن.

الميدان العسكري

 
إن اثر الأحوال الجوية على العمليات العسكرية وعدم الإلمام بها قد يؤدي إلى حدوث عواقب وخيمة على نتائج المعارك. وأصبح من الضروري لكل قائد أن يضع خططه وتقديراته للموقف تبعا للمعلومات التي ترده عن التنبؤات الجوية المقبلة. فان المعلومات التي إستند إليها الجيش الألماني في هجوم الاردين كانت سببا في نجاح ذلك الهجوم حيث لم تستطيع القوات الجوية الحليفة من مقاومة ودحر الهجوم لسوء الأحوال الجوية نسبة إلى الطيران.

 الميدان الاجتماعي

نلاحظ مثلا ربة البيت عندما تعرف حالة الطقس يمكن لها أن تقرر هل أنها ستقوم بغسل الملابس أم لا، وهل يرتدي أطفالها ملابس ثقيلة آم خفيفة وهل ترسلهم إلى المدرسة أم هناك خطر عليهم من الظروف الجوية كل ذلك يتقرر عندما تواصل متابعتها بالاستماع أو مشاهدة النشرة الجوية.
من خلال كل ذلك أصبح واضحا ما هي حاجة الناس والمجتمع لمشاهدة أو لسماع نشرة الأحوال الجوية اليومية والتي تحظى اليوم باهتمام عالمي كبير.