امنحني الحزن علني أحيا

2012/01/23

 بان ضياء حبيب الخيالي - بغداد

 أبي الحبيب

حين يلجمني الصمت أمام هدير العربات الفارغة فتمتد الدروب أمامي بكل شسوعها مقفرة من انسان

أكون عندك ...

يا آخر بسمة ادخرها قلبي لزمن الجوع وآخر نظرة انثالت بموج حنوها فأورقت صحاريّ الجافيات .

مستهدفة بذاكرة لا تصدأ ، تواجهني الصور العتيقة بعتادها تفجر بروق اشتياقي وتنسف أركان جلدي، تسرقني من برد القطيعة فاحتمي بمظلات حنوها من زخات شتاء قاحل.

 أبي ...المشرق ابدا كرنفال الوان بين شلالات اللالون المتدفقة من كل أصوابي، ترمقني صورك فتتعثر خطوات ذاكرتي ....هنا تحمل فوزك مشمسا وتبتسم فابتسم وهنا ملامحك الواجمة بالأسود والأبيض تشدني من يدي بإصرار لأدور في الأزقة العتيقة علني اهتد  ليد رسامها الآثمة .

أيهم أنت، الصبي الضاحك بنظراته الشقية أم الشيخ المنتحر صمتا أمام الخزي الذي يجتاح العالم كطوفان اسود . وبين ما تسعفني نسمات ذاكرتي وما  تضن به، تتعثر فطنتي وأتحول لنبتة ناتئة في صحاري الخوف فما تبقى لي في زمن العطش هذا ملفوف بجراب يكاد يهترئ.... لهو طفولتي وروعة أن يحتوي هيكلي الهلامي ما يسند صلبه ويقيم أركان روحه ... كل كنوزي وحلاي ....مهددة بشبح أن تنفلت فراشاتي من شرانقها الرؤوم  لتجتمر في مواقد النسيان....

بيوت النمل،شجرة السرو، رائحة الشاي بالليمون وعصاري الحديقة

أزهار الجيرانيوم الناتئة من كل مكان وبتلات الجوري الساكرة

*و(ذهب مع الريح ) *(siege in the sun)

جموع حجيج مدججة بتراتيل سماوية تطوف حولي تجرجرني اليك، تزحف بورودها لصحاري قلبي فيستعمرني الشوق سابيا كل الصور والأقنعة المتسللة كثعابين ملونة لعرائشي، لتتنفس أغصاني الندى فأزهر

بابا ....

الوقت ماض بصب الزيت على رأسي لأفيق وأنا المخمرة بجرار ذاكرتي،الوسنانة عن الأشكال المتدفقة من أصابع الثواني والطائفة بأجنحة النهار في أفقك الأزرق

أبي ....الصامد بوجه سراديب الخوف المتفرعة كأغصان الحور في أوردتي

كم تشبهني نظراتك

يتصاعد الحزن من تلك النوافذ

يختفي الضوء خلف صرير باب عتيق

موشوم بشظايا البرد

وندوب الصقيع

هل جاوز سهولك الحنين ....

واستدار حول الشمس

لف الأرض بذراعي المدى...؟

فأغمضت وأنت تائق

لان تعفر روحك بشذى لقاء

 كفراشة يوم مشمس

أن تمتلك أجنحتك القديمة

وتمنح المدى قفزتك المبتكرة

فيرديك الشهيق

مصابا بالحياة؟

هل عدت مخذولا

ملسوعا ببرد القضبان

 مثلي

ملامحك الحبيبة تزهر في نفق ليل طوييييييييل أنت فتحته الأخرى نحو الضياء وأنا المتوجسة موطئي أحاول الصعود بين عالمين فيقهقه الظلام

بابا ....

من سيواسي فرقي رابتا قلبي بنظرتين رماديتين وبسمة ؟

وكيف لي أن أتجلد وأنت بحار ابدي في رمل حزني لم تقف لميناء عودة ولا تريثت لمؤونة أخرى من عيني؟

من سيمسح عن وجه دفتر صوري المتخشب نثيث وجعي الذي أورق الموات وكسى الأديم حلل الربيع.

بابا....

للذكريات شوارع من نار وقيح وأقدامي الرهف تهفو لشواطئ لجينك السائحة  في الجهة الأبعد من المدينة

لو انك تخبرني ذات حلم وأنت  تهش الأشباح عن قلبي انه سيكون للزمان المعقم بيد الأقدار مخاض آخر قد يسفر عن وجه مبتسم او ان تحدثني عن شيء آخر مثلا سوى افترار الأرض عن جبابرة وصخور

لو انك افترضت اخيرا ان (ذهب مع الريح)* انتهت بعودة طيرمن كل تلك الأسراب الملونة السابحة صعودا نحو الفراغ والقطيعة ....لكان يمكنني ان اصطبر...

 أن أدير ظهري لكل لتلك الديدان التي تجد مسافرة بعمق في أرضي تمتص بشبق رمقي وتنتشي لتغلغل رحيق أحلامي في دهامة أحشائها

بابا....

هل أخبرتك أناملي التي أتقنت حياكة مسراتك الصغيرة باحترافها عزف المطر على أرصفة الحزن

عن ارجوحتي التي فقدت ذاكرة الطيران وعن تكتكة قلبي الجائع لكسرة خبز

عن التفاحة  التي قضمت أشرعتي فمسختني لأنثى وأنزلتني لقاع هذا البئر الأدهم

وعن توقي لبسمتك تمنحني السماء لمرة  جديدة

 بابا .... أيها الناشر أشرعته البيض لأفق السواد....

هلا أرشدتني لوجهتك فبواصلي استعمرها الملح وبحاري مطفئة فناراتها

والليل بهيم

بابا مازلت أحيا

اعطني يديك

لأنجو

*ذهب مع الريح .............اسم رواية طويلة للروائية مارغريت ميتشل وهي جملة كان والدي رحمه الله يرددها كثيرا حينما أساله عن ذكريات قديمة

……..Siege in the sun *لدورثي ايدن آخر كتاب أهداني اياه والدي رحمه الله قبل أيام من وفاته

b_maqeen@yahoo.com