يوميات مغتربة

دموع في بغداد !

2012/01/22

ايفان صباح – مونتريال

.. لأني عائدة ..  كان إحساسي بأن كل ما سيكون في بلدي طعمه حلو مثل القهوة التي تأخرت المضيفة وهي تعد مكعبات السكر واحدا تلو الآخر ببطء، ونظرات تسائلية مستفزة .. أيكفي هذا تساءلت؟

ستكن سكر بالقهوة لا قهوة بالسكر، لا يهم المهم أني عائدة وعند عودتي من حيث رحلت انهارت دموعي عندما استنشقت هواك يا بغداد وعادت بي الذكريات كأنني لم أتغرب خمسة و عشرين عاما.

 ألهذه الدرجة يؤثر السكر في خلايا الدماغ ليجعلها بكل هذه الذاكرة كأنني بنت صغيرة أريد المدرسة و الجامعة والبيت والأصدقاء،  فبدأت بالبحث بيتنا أنه كان هنا ولكنه لم يكن في نفس المكان فقد اكتسحته عاصفات الدمار التي هجمت على بلدي منذ زمان بعيد وطويل، و ما أبحث عنه لا وجود له على خارطة الواقع فقلت المدرسة علني أجدها فلي فيها سنين جميلة.. شعرت بالتغير  هناك فكل شيء لم يكن على ما كان اضطررت لأسأل رجلاً ماراً على الطريق عفوا كانت هناك مدرسة أسمها ..   فقاطعني بجوابه لا علم لي بأي شيء فاستغربت جوابه و لكنني لم أيأس و واصلت البحث سألت عن صديقتي قالوا لي جيرانها سافرت و تركت بغداد ولازلت امشي علني أجد ما أبحث عنه صدفة فأنا من المؤمنين جدا بالصدفة الجميلة ولكن لا جدوى فكل ما أبحث عنه لا وجود له كانت بغداد حزينة وكانت دموعي تغسل جرحها أين أنا ؟ أهذه بغداد؟ دمرتها العاصفة كما دمرت سنين الغربة أحلى أيام الشباب معادلة متساوية،  تدمرت و تدمرنا وبدأت الأيام تتوالى وأنا لوحدي أصر على أن تكون قهوتي حلوة لأني فيك يا بغداد، لاجدوى من البحث فما كان لا وجود له الآن وكلهم مهاجرون، مسافرون، أو منتقلون الى رحمة الله..

 لا أعلم إن المثل الشعبي الذي لم أعطه أذنا صاغية يوما سينطبق علي حالتي (الجنة بلا ناس متنداس!!) فأنا في بلدي، ولكني وحيدة شاردة.. احسب الأيام علني أصادف تلك الصدفة الجميلة لكي التقي بأناس عدت من اجلهم ولكن العاصفة لم ترحمني و ترحمهم يا لها من أيام طويلة لم يكن فيها الوقت انتظار لصدفة بل بحثا عنها ولسكون في هذا البيت الذي اسكنه مخيفا.

 وفي قمة هذا السكون وأنا لوحدي مع شمعة خافتة وإذا بجرس الهاتف يرن ليمزق هذا الصمت ويلقي بانفجار مخيف وسط هذا البيت الساكن !! لا يوجد فرق في حالتي هذه ( الو..ماما كيف أنتِ ؟حبيبي كيف انتم؟ بعد غد تخرجي وستكونين معنا رغم غيابك فهذا يومك يا أمي )..

 أغلقت سماعة الهاتف وقررت أن أغلق معها ملف بقائي في تلك الأيام الساكنة  التي ترفض وجودي فيها وكأنها متفقة الى أن تعيدني من حيث أتيت!!! عندها اشتقت الى فنجان قهوتي (المرة) فحضرتها وتساقطت دموعي عليك يا بغداد وأنا أحيا بين أحيائك فإن البحث عن صدفة جميلة أمل مفقووود لذا ها أنا سأعود كأن القهوة الحلوة قد انتهى مفعولها.. لن أقول وداعا .. بل سأقول الى اللقاء وهنيئا لك يا غربتي الباردة عودتي إليك ففيك أغلى أحبتي.