المخرج يوسف عباس يوسف
قدم لنا المخرج والممثل دريد عباس مع فريقه "فواكه غريبة" المتكون من الممثلة سارة عيسى والممثل عمار البوجراد تجربة
مسرحية رائعة وإبداعية, فأسس لنا فريق العمل خطابا مسرحيا جديدا مفاده تحويل غير المألوف
من مفردات وحكاية والية تمثيل وإيقاع الى مألوف، وهنا قدم العرض من بنى معقدة
ومركبة زمنيا وفلسفيا واعادة صياغته وارتباطه بالواقع.
اول مشاكسة من فريق العمل نجدها باسم العرض "حجز انفرادي" . حيث ان الأستنتاج الاولي للجمهور بعد معرفة اسم العرض يتبادر للذهن "السجن"، وهذا من المنطق، لكن فريق العمل عمد على تقديم المضاعفات النفسية والانفصال عن العالم المادي وقدم لنا الاحساس بالعزلة.
ويذهب علماء النفس بتعريف العزلة في جوهرها الى "الشعور
بالانفصال وأن أحدا لا يحبنا" اي التطرف بالفكرة، فنجد فريق العمل عالجه
كمشكلة إنسانية وقدم لنا قيمة فنية غنية بالبحث العلمي والفني والأدبي لما يتمتع به الفريق من
صدق وجدية لتقديم عروض فنية تمتلك قيمة فكرية وجمالية، فهم لا يقدمون فكرة او
مشهد بدون منطق ومن اجل الجمال فقط وهذا يعمد له الكثيرون للسهولة، لكن السبب
الرسالي لدى فريق "فواكه غريبة" يجعلهم يقدمون جمال مدعوم بالمنطق اي كل
شاردة وواردة داخل العرض المسرحي نجد لها تفسير ومبرر فني وعلمي.
يوم العرض كان 14 _1_2012 مكان العرض داخل
قبو في مدينة انتويربن البلجيكية النص اعداد عن يوجين يونسكو والشيخ العلامة محمد
النفزاوي وبوشنر.
بداية العرض غير تقليدية، تستلقي الشخصية الاولى خلف باب مغلق، نشاهد اصابعه من تحت فتحة الباب، تفتح الشخصية الباب -دريد عباس- يقدم لنا مشهدا بغاية الروعة، احسست ومن الوهلة الاولى أن الشخصية تريد أن تغادر المكان لكن لاتستطيع لاسباب نجهلها! فكان على سلم القبو يتحايل على عزلته ويخرج بمكنوناته الانسانية فتجاوز الاداء التمثيلي وذهب الى اللعب بالمكان/ البيئة. تخيلت أن الشخصية هو سجين او مجنون او معزول بامر من سلطة ما او ربما هو يريد العزلة! كان هذا هو الحافز الاول الذي حرك مخيلتنا كجمهور ثم قادتنا الشخصية الاولى للنزول عبر سلم الى قبو، وجعلنا شركاء معه داخل الحجز الانفرادي ثم اختفى لتظهر لنا شخصية جديدة، شريرة، التي ادتها المبدعة سارة عيسى حيث قدمت لنا احساسا مفاده هي الشخص المسؤول عن الاحداث داخل الحجز من خلال سلوك شخصيتها، حواراتها، قيادتها للجمهور من مشهد الى مشهد اخر.
اخذتنا الى المحجوز الثاني الذي قام بتمثيله عمار البو جراد حيث اتقن تقديم شخصيته بدقة عالية، شخصية معقدة ومركبة وأقول هذا لأننا كجمهور لا نملك اي معطيات طبيعية او اجتماعية او نفسية عنها، لكن، وبمجرد النظر اليها نعرف أنها معذبة، مختنقة، محجوزة بزاوية رطبة وممنوعة من التقرب حتى من الخروج الاضطراري الكاذب. الشخصية غارقه بأضاءه زرقاء لضوء مركبة البوليس. ثم انتقلت بنا الى غرفة اخرى، جحيمية اللون، الشخصية الاولى - دريد عباس - محصور داخل جدار مربع الشكل بحجم الموقد، صغيرة جدا، وامامه على الارض قدر يغلي بداخله خارطة للعالم، يفصل بين الشخصية والقدر بعض مصائد الفئران التي تعزله عن حريق العالم.
بعد ذلك المشهد تنتقل الشخصية الشريرة داخل القبو انتقالات سريعة تقدم لنا احساس السينما في انتقال وتقطيع المشاهد اي تحس انك تشاهد فلما سينمائيا بروحية وحيوية الخلق المسرحي. فالبيئة الموجودة داخل القبو تحولت من سجن رطب وعفن الى مكان برزخي يحرق كل الواصلين اليه. ثم الى بحر على ساحله لعب اطفال، والاطفال، اختفوا! وايضا نقلتنا الى صوره لشخصية مغطاة ببطانية رثة داخل غرفة صغيرة تحتوي على العشرات من قناني الكحول، احداهما مشنوق. ثم انتقلنا الى مكان اخر وهو الكنيسة، محتوياتها اكياس النفايات. يتحول المكان الى مصحة ثم الى بيت قديم مهجور يحتوي على اثاث كلاسيكي وتحول الى مكان مهجور تتراقص خيوط العنكبوت فيها. كان المكان عمل تشكيلي مرسوم بحرفة، صور جمالية أنشأتها العزلة.
اعتمد العرض على الاداء التمثيلي والجسد والايقاع البصري المتميز. كان لمشاركة السلحفاة عامل مهم في العرض احسسنا بمدى تباطؤ الوقت في القبو وبوجود النباتات والسمكة التي تسبح عبثا في حوضها تشعر انك لست الكائن الوحيد الذي تطاله العزلة !
البيئة في هذا العرض كانت حاضرة من خلال رائحة المكان ولونه الرمادي القاسي.
استغلال الاصوات خارج القبو اضافت قدسية وروحية للعرض، فبينما المعذب يقدم عذاباته نسمع ضحكات ورنين هواتف الجمهور الذين كانوا منتشرين في البيت فوق بيئة العرض/ القبو.
كان ايقاع العرض يسير بخط مستقيم من اداء وحوار وتركيبة الضوء وبالتالي خلق لنا بيئة كل شيء فيها ميت وان تحرك.
هذه البيئة افترضها لنا بابداع فريق العرض فاشرك الجمهور داخله واتاح لهم المساحة لأفتراضات جديدة مقاربة للافتراض الاول -الحجز الانفرادي- فخرج من رأسي سؤال:
من هو المسؤول عن هذه العزلة وماهي اسبابها؟
واذا خرجتم من هذا القبو ماذا ستفعلون؟
شكرا الى فريق العمل دريد عباس، سارة عيسى وعمار البو جراد.