القهوة المرة !
ايفان صباح – مونتريال
تتسابق خطواتى الى أوراق مهملة منذ سنين عطشى لحبر أهملها فكان قلمي رافضا ان يعبر بعدما مات كل ما بداخلي حين كان قراري منذ سنين طويلة هو الرحيل، وها أنا بعد تلك السنين و بعد ذلك الصمت استيقظت صباحا لأعلن قراري كعادتي ..
جهزت فنجان قهوتي المرة التي اعتدت أن اشربها و أتحمل مرارتها لوحدي كما هي مرارة الغربة لم اعتد على طعمها حتى بعد عشرات السنين و قبل أن ارتشف رشفتي الأولى من الفنجان قلت و بصوت عال حجزت تذكرة سفر، فلم يكترث كل من حولي لا شريك حياتي و لا أولادي، فكررتها وعندها صرخ صمتي بصوت أعلى، وقلت سأعود من حيث أتيت فإذا بهم يجتمعون و بصوت واحد يجيبون الى أين؟ .. قلت بغداد قالوا ماذا تهذين أو تعنين لا فرق عندهم فقد تساوت الأشياء ولم يعودوا يهتموا بمسمياتها.. قلت بغداد تناديني و شوارعها تحاكيني و أهلي و ناسي و ذكرياتي جميعهم يريدوني كما أريدهم.
تحول الصمت الذي احتلني منذ سنين و جاء دورهم لم يردوا (راطنين بلغتهم) والعربية لم تعينهم، وأنا لازلت أتكلم على عكس عادتي كأني تحررت من ذلك الصمت القاتل عندما كان قراري بالعودة عادت معه كل العادات التي دمرها سكون الغربة، فقد تعبت من فنجان قهوتي المرة وأنا أشربه كل صباح لوحدي دون رفيق و ما كان يشفع لمرارته أنه كان يشاركني أحزاني و يسمع صمتي.
أجابوني ونحن؟
قلت و أنا؟
فقال أبني (ماما بعد شهر و عشرة أيام سيكون حفل تخرجي أنه حلم سنينك لم يبق سوى أن تعدي أصابع يديك الأثنتين وتزيدي فوقهم شهر ويأتي ذلك اليوم ) لم اكترث و أبنتي قالت وأنا سيكون بعد أيام العرض الفني للوحاتي كانت عيناى مغلقتان، و أذني صماء حين شعرت بأنهم يحاولون أقناعي، فقلت لهم عشت معكم و لكم طوال هذه السنين في غربة لوحدي، لكم حياتكم .. عالمكم لغتكم، أما أنا فعالمي هناك في بلدي و تركت فنجان القهوة كما تركتهم يتساءلون ؟؟ ومن يدري لربما قهوتي هي الأخرى تتساءل عن سر بقائها في الفنجان.
لم يدركوا قراري وعندما جاء يوم العودة كانت سعادتي و فرحتي تفوق حلمي بيوم تخرج أبني من الجامعة وتفوق سنين من عمري أفنيتها كي أضحي لزوجي واجعل منه بطلا لمشاريع كنت أنا خلف ستارها فلا المال و لا تحقيق الأحلام ولا كل ما سيحقق في هذه الغربة الباردة سيسعدني.
ودعتهم وكانت هي المرة الأولى التي أقوى فيها فراقهم وقلت سأتصل بكم حين وصولي كانت خطواتي مسرعة كأنني في سباق للماراثون لا في طريقي الى الطائرة المتوجهة الى الحبيبة بغداد حتى أني شعرت بنظرات استنكارية من حولي لذلك الكعب العالي الذي تهز أصواته الأرض الباردة ليس نكرانا لجميلها لا لا لا بل أنه شوق ساخن يكسر كل الحواجز و القواعد حتى قواعد السير والنظام اللذان مارستهما على هذه الأرض الباردة وأنا لازلت مسرعة كأنها المرة الأولى التي أركب فيها طائرة وكأني أود أن أكن أول الجالسين على المقاعد وعندما جلست كان رقم مقعدي 25 أهو القدر أم أنها مجرد صدفة فأنها عدد سنوات غربتي لم أبال حينها فقد انتهت تلك السنوات و ها أنا عائدة من حيث أتيت.
سألتني المضيفة عما أود شربه فأجبت دون تردد قهوة حلوة نظرت إلي ببعض الاندهاش كأنها تعلم أنها المرة الأولى التي نويت أن أفارق خمسة وعشرين عاما من القهوة المرة و أستبدلها بحلوة !!